في كثير من الأحيان، ينصبّ تركيزنا في العمل العلاجي على الطفل: سلوكه، احتياجاته، وتقدّمه. لكن وسط كل ذلك، قد نغفل عن الرحلة التي يعيشها الأهل إلى جانبه، خطوة بخطوة، بكل ما تحمله من مشاعر وتحديات.
الأهل ليسوا مجرد جزء من العملية العلاجية، بل هم قلبها النابض. فهم من يعيشون التفاصيل اليومية بكل ما تحمله من تعب، قلق، محاولات مستمرة، وأحيانًا شعور بالعجز أو الحيرة. هم من يواجهون نظرات المجتمع، وتساؤلاته، وضغوطه، إلى جانب رغبتهم الدائمة في أن يكون طفلهم بخير.
خلف كل طفل، هناك قصة كاملة من الحب، والخوف، والتعب غير المرئي. من خلال عملي، أرى وجوهًا متعبة، لكنها مليئة بالإصرار. أرى أهلًا يحاولون رغم كل الصعوبات؛ يتعلّمون، يسألون، ويبحثون عن أي طريقة لدعم طفلهم. أرى أمًا تعيد المحاولة عشرات المرات رغم التعب، وأبًا يحمل قلقه بصمت ويحاول أن يكون قويًا.
وفي كثير من اللحظات، لا يحتاج الأهل إلى إرشاد فقط، بل إلى من يراهم، يسمعهم، ويعترف بجهدهم. أحيانًا، كلمة تقدير واحدة قد تعني لهم الكثير، وقد تمنحهم القوة للاستمرار.
إن التعامل مع الأهل لا يجب أن يكون من موقع تقييم أو توجيه فقط، بل من موقع إنساني قائم على التعاطف، الفهم، والاحترام. فالأهل لا يدخلون هذه الرحلة وهم مستعدون لكل ما فيها، بل يتعلّمونها خطوة خطوة، يخطئون ويصيبون، ويحاولون من جديد. هم بحاجة إلى مساحة آمنة يشعرون فيها أنهم ليسوا موضع حكم، بل موضع دعم.
وعندما ننجح في أن نكون إلى جانب الأهل، ونمنحهم هذه المساحة، نكتشف أن التغيير لا يحدث فقط عند الطفل، بل يمتدّ ليشمل العائلة بأكملها. فالعلاقة التي نبنيها مع الأهل تنعكس بشكل مباشر على شعور الطفل بالأمان، وعلى قدرته على التقدّم.
في النهاية، قبل أن نطلب من الأهل أن يكونوا داعمين لأطفالهم، علينا أن نكون نحن داعمين لهم.
فالأهل الذين يشعرون أنهم مرئيون، مفهومون، ومحتوَون، يصبحون أكثر قدرة على منح هذا الاحتواء لأطفالهم… وهناك تبدأ رحلة التغيير الحقيقية.



