في السنوات الأولى من حياة الطفل، يُعدّ اللعب وسيلته الأساسية للتعلّم واكتشاف العالم. فمن خلال اللمس والحركة والأصوات وتجربة الملامس المختلفة، يبني الطفل فهمه لجسده وللبيئة المحيطة به. ويُعرف هذا النوع من الخبرات بـاللعب الحسي، الذي يشمل أنشطة تستثير أنظمة حسية مختلفة، كاللمس، والتوازن، والحركة، والإحساس العميق. ولا تقتصر أهميته على المتعة والاستكشاف، بل يمكن توظيفه لدعم مشاركة الطفل في أنشطة حياته اليومية.
لدى الأطفال على طيف التوحد، قد تختلف طريقة استقبال المعلومات الحسية والاستجابة لها. فقد يتجنب بعض الأطفال أصواتًا أو ملامس معيّنة، بينما يبحث آخرون باستمرار عن الحركة أو الضغط أو اللمس. وقد تنعكس هذه الاختلافات على اللعب، والأكل، وارتداء الملابس، والعناية الذاتية، والقدرة على المشاركة في الروتين اليومي. لذلك، من المهم ألا ننظر إلى السلوك بمعزل عن احتياجات الطفل؛ فالرفض أو التجنّب أو البحث المتكرر عن خبرة معيّنة قد يساعدنا على فهم الطريقة التي يتفاعل بها مع بيئته.
من منظور العلاج الوظيفي، لا توجد أنشطة حسية موحّدة تناسب جميع الأطفال. يبدأ التدخل بفهم نمط استجابة الطفل وتأثيره في أدائه اليومي، ثم اختيار خبرات مناسبة وتقديمها بصورة تدريجية، مع احترام استجابته وعدم إجباره. والهدف ليس مجرد تعريض الطفل لمثيرات مختلفة، بل استخدام اللعب كوسيلة لدعم أهداف وظيفية ذات معنى، كالمشاركة في اللعب، والأكل، والعناية الذاتية، والتفاعل مع الآخرين.
ومن واقع عملي كمعالجة وظيفية، عملت مع طفل على طيف التوحد في حضانة، أظهر انتقائية غذائية واضحة؛ إذ اقتصر تناوله على الخبز دون إضافات، ورفض الأطعمة ذات القوام الكريمي، كاللبنة والحمص. بدأ التدخل بالتعرّض التدريجي لملامس مشابهة ضمن اللعب، باستخدام مواد ذات قوام كريمي كالدهان، دون مطالبة الطفل بتناول الطعام. ومع ازدياد تقبّله لهذا الملمس، انتقلنا تدريجيًا إلى استكشاف اللبنة باللمس واللعب والدهن، ثم وضع كمية صغيرة منها على الخبز المألوف لديه، وصولًا إلى التذوّق وتقبّلها. يوضح هذا المثال كيف يمكن للتدرّج، عندما يكون جزءًا من تدخل فردي، أن يدعم مشاركة الطفل في تجربة الأكل.
ويُعدّ تعاون الأهل مع المعالجة والطاقم التربوي عنصرًا أساسيًا في نجاح التدخل وتعميم المهارات في البيئة الطبيعية للطفل. فاللعب الحسي ليس هدفًا بحد ذاته؛ فقيمته الحقيقية تكمن في توظيفه بصورة واعية ومدروسة لمساعدة الطفل على المشاركة والتعلّم وتحقيق أكبر قدر ممكن من الاستقلالية في حياته اليومية.



